الخطبة الأولى
الحمدُ لله الذي جعل ذكرَه حياةً للقلوب، وطمأنينةً للنفوس، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، كان لسانُه رطبًا بذكر الله في كل أحيانه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
أما بعد، عبادَ الله: اتقوا اللهَ تعالى واذكروه، فقد قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42]، وقال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
الذكر حياة القلب
قال النبيُّ ﷺ: «مثلُ الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكر مثلُ الحيّ والميّت» [رواه البخاري (6407)]. فالقلبُ الذي لا يذكر اللهَ قلبٌ ميت وإن كان صاحبُه يمشي بين الناس. وقال ﷺ: «ألا أنبّئُكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعِها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق، وخيرٍ لكم من أن تلقَوا عدوَّكم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقَكم؟» قالوا: بلى. قال: «ذكرُ الله تعالى» [رواه الترمذي (3377) وابن ماجه (3790)، واللفظ للترمذي].
وجاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله، إنَّ شرائعَ الإسلام قد كثُرت عليَّ، فأخبرني بشيءٍ أتشبّثُ به. قال: «لا يزال لسانُك رطبًا من ذكر الله» [رواه الترمذي (3375) وابن ماجه (3793)]. فهذا بابٌ مفتوحٌ للضعيف والقويّ، للغنيّ والفقير، للصحيح والمريض؛ لا يحتاج إلى طهارةٍ ولا وقتٍ ولا مكان.
أذكار الصباح والمساء
عبادَ الله، من أعظم ما يحفظ المسلمَ في يومه وليلته أذكارُ الصباح والمساء، وهي حصنٌ حصين، منها:
- آيةُ الكرسي: من قالها حين يصبح أُجير من الجنّ حتى يُمسي، ومن قالها حين يُمسي أُجير منهم حتى يُصبح [رواه الحاكم وصحّحه الألباني].
- المعوّذات ثلاثًا: «قل هو الله أحد» و«قل أعوذ برب الفلق» و«قل أعوذ برب الناس»، تكفيك من كل شيء [رواه أبو داود (5082) والترمذي (3575)].
- سيدُ الاستغفار: «اللهمَّ أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدُك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت…» من قالها موقنًا بها حين يُمسي فمات من ليلته دخل الجنة، وكذلك حين يُصبح [رواه البخاري (6306)].
- «بسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» ثلاثًا، لم يضرَّه شيء [رواه أبو داود (5088) والترمذي (3388)].
- «رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ ﷺ نبيًّا» ثلاثًا، كان حقًّا على الله أن يُرضيَه يومَ القيامة [رواه الترمذي (3389)].
- «سبحان الله وبحمده» مئةَ مرة: من قالها حين يُصبح وحين يُمسي لم يأتِ أحدٌ يومَ القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ قال مثلَ ما قال أو زاد عليه [رواه مسلم (2692)].
أذكار بعد الصلاة
ومن الأذكار التي يهجرها كثيرٌ من الناس أذكارُ أدبار الصلوات: الاستغفارُ ثلاثًا، و«اللهمَّ أنت السلام ومنك السلام تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام» [رواه الترمذي (300)]، وآيةُ الكرسي، والتسبيحُ والتحميدُ والتكبيرُ ثلاثًا وثلاثين، وتمامُ المئة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»؛ قال ﷺ: «غُفرت خطاياه وإن كانت مثلَ زبد البحر» [رواه مسلم (597)].
أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد، عبادَ الله: إنَّ الذكرَ ليس كلماتٍ تُردَّد باللسان فقط، بل هو حضورُ القلب مع اللسان؛ فإذا قلتَ «سبحان الله» فاستشعرْ تنزيهَ الله عن كل نقص، وإذا قلتَ «الحمد لله» فاستحضرْ نِعمَه التي لا تُحصى، وإذا قلتَ «الله أكبر» فاعلمْ أنه أكبرُ من كل همٍّ وخوفٍ وعدوّ.
وقد يسّر اللهُ لنا في هذا الزمان ما يُعيننا على الذكر؛ فكتابُ «حصن المسلم» بين أيدينا في هواتفنا، بأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم والاستيقاظ، والدخول والخروج، والطعام والسفر، فما عذرُ من هجرها؟ اجعلوا لكم وردًا يوميًّا لا تتركونه: أذكارُ الصباح بعد الفجر، وأذكارُ المساء بعد العصر، وأذكارُ النوم قبل أن تناموا، وعلِّموها أبناءَكم وأهليكم.
اللهمَّ صلِّ وسلِّم على نبيّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهمَّ أعِنّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك. اللهمَّ اجعلْ ألسنتَنا رطبةً بذكرك، وقلوبَنا عامرةً بحبّك، وأعمالَنا خالصةً لوجهك. اللهمَّ اغفرْ لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، ربَّنا لا تُزغْ قلوبَنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهّاب.
عبادَ الله، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]. اذكروا اللهَ يذكرْكم، وأقيموا الصلاة.