الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسِنا ومن سيئات أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾
أما بعد: فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالة.
عبادَ الله: ما منّا أحدٌ إلا وله ذنوبٌ يعلمها، وذنوبٌ نسيها وأحصاها اللهُ عليه. وليس المطلوبُ من المؤمن أن يكون معصومًا لا يُخطئ، وإنما المطلوبُ أن يكون رجّاعًا إلى ربّه كلّما أخطأ. قال النبيُّ ﷺ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» [رواه الترمذي (2499) وحسّنه الألباني]. وقال ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» [رواه مسلم (2749)].
فرحُ الله بتوبة عبده
تأمّلوا، أيها المؤمنون، هذا المثلَ الذي ضربه النبيُّ ﷺ لفرح الله بتوبة عبده: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» [رواه مسلم (2747)].
رجلٌ أيقن بالهلاك في صحراءَ لا ماءَ فيها ولا طعام، ثم رأى حياتَه تعود إليه فجأة، فاختلط عليه الكلامُ من شدّة الفرح؛ واللهُ أشدُّ فرحًا بتوبتك من هذا الرجل براحلته! وهو الغنيُّ عنك وعن عبادتك، لكنه الرحيمُ الذي يحبّ أن يغفر: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
بل إنَّ كرمَه سبحانه يتجاوز المغفرةَ إلى تبديل السيئات حسنات: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا فَأُو۟لَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَٰتٍۢ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا﴾ [الفرقان: 70].
وأخبرنا ﷺ عن رجلٍ ممن كان قبلنا قتل تسعةً وتسعين نفسًا، ثم أكمل بالراهب مئة، ثم سأل عالمًا: هل له من توبة؟ فقال: «نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ»، وأمره أن يهاجر إلى أرضٍ فيها قومٌ يعبدون الله، فأدركه الموتُ في منتصف الطريق، فقبضته ملائكةُ الرحمة [رواه مسلم (2766)]. فإذا كان هذا حالَ من قتل مئةَ نفس، فكيف يقنط من رحمة الله من هو دونه؟
شروطُ التوبة النصوح
عبادَ الله: قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةًۭ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ﴾ [التحريم: 8]. والتوبةُ النصوحُ هي الصادقةُ الخالصة، ولها شروطٌ ذكرها أهلُ العلم:
- الإقلاعُ عن الذنب في الحال؛ فلا توبةَ مع الإصرار.
- الندمُ على ما فات؛ قال ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» [رواه ابن ماجه (4252) وصحّحه الألباني].
- العزمُ على ألّا يعود؛ وقد مدح اللهُ عبادَه الذين ﴿ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135].
- ردُّ الحقوق إلى أهلها إن كان الذنبُ متعلّقًا بحقّ آدميّ؛ من مالٍ أُخذ، أو عرضٍ انتُهك، أو غيبةٍ وقعت.
إيّاك والتسويف
أيها المسلمون: إنَّ من أعظم مكائد الشيطان أن يقول لك: تُبْ غدًا، تُبْ إذا كبرت، تُبْ إذا تزوّجت. والعمرُ لا يُضمن، وبابُ التوبة وإن كان مفتوحًا فإنَّ له أجلًا؛ قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» [رواه الترمذي (3537) وحسّنه]، وقال ﷺ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» [رواه مسلم (2703)]. واللهُ إنما وعد بالقبول ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ﴾ [النساء: 17].
أقول قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله غافرِ الذنب وقابلِ التوب، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
أما بعد، عبادَ الله: فإنَّ الاستغفارَ رفيقُ التوبة وزادُ المؤمن في كل حين. وهذا رسولُ الله ﷺ، وقد غفر اللهُ له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، يقول: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» [رواه البخاري (6307)]، ويقول: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» [رواه مسلم (2702)].
وللاستغفار ثمراتٌ في الدنيا قبل الآخرة؛ قال نوحٌ عليه السلام لقومه: ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًۭا * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَٰرًۭا﴾ [نوح: 10-12]. ووعد اللهُ كلَّ مستغفرٍ صادق: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا﴾ [النساء: 110].
وأفضلُ صيغ الاستغفار ما علّمنا إياه النبيُّ ﷺ وسمّاه سيّدَ الاستغفار: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَىَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ»، وأخبر أنَّ من قالها موقنًا بها في النهار فمات قبل أن يُمسي، أو في الليل فمات قبل أن يُصبح، فهو من أهل الجنة [رواه البخاري (6306)]. فاحفظوها وعلّموها أهليكم، وقولوها صباحًا ومساءً.
ثم صلّوا وسلّموا على نبيّ الرحمة، فقد قال ربُّكم: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» [رواه البخاري (3370)].
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]. اللهمَّ اغفرْ لنا ذنوبَنا كلَّها، دِقَّها وجِلَّها، أوّلَها وآخرَها، علانيتَها وسرَّها. اللهمَّ تُبْ علينا توبةً نصوحًا، واجعلنا من التوّابين واجعلنا من المتطهّرين. اللهمَّ اغفرْ للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياءِ منهم والأموات. ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةًۭ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201].
عبادَ الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكرْكم، واشكروه على نعمه يزدْكم، ولذكرُ الله أكبر، واللهُ يعلم ما تصنعون.