الخطبة الأولى
الحمدُ لله الذي أمر بالإحسان إلى الوالدين، وقرن شكرَهما بشكره، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فاتقوا اللهَ عبادَ الله، واعلموا أنَّ اللهَ تعالى قال في محكم كتابه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23-24].
منزلة الوالدين
تأمّلوا، عبادَ الله، كيف جعل اللهُ الإحسانَ إلى الوالدين تاليًا لعبادته مباشرةً، وكيف قرن شكرَهما بشكره: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]. وسأل عبدُ الله بن مسعودٍ رضي الله عنه النبيَّ ﷺ: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: «الصلاةُ على وقتها». قال: ثم أيٌّ؟ قال: «برُّ الوالدين». قال: ثم أيٌّ؟ قال: «الجهادُ في سبيل الله» [متفق عليه: البخاري (527) ومسلم (85)]. فقدَّم برَّ الوالدين على الجهاد في سبيل الله!
وجاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله، من أحقُّ الناس بحُسن صحابتي؟ قال: «أمُّك». قال: ثم من؟ قال: «أمُّك». قال: ثم من؟ قال: «أمُّك». قال: ثم من؟ قال: «أبوك» [متفق عليه: البخاري (5971) ومسلم (2548)]. ثلاثُ مرّاتٍ للأمّ، لأنها حملتْ وولدتْ وأرضعتْ وسهرتْ.
الوالدان بابٌ من أبواب الجنة
قال النبيُّ ﷺ: «الوالدُ أوسطُ أبواب الجنة، فإن شئتَ فأضِعْ ذلك البابَ أو احفظْه» [رواه الترمذي (1900) وصحّحه الألباني]. وقال ﷺ: «رغِم أنفُه، ثم رغِم أنفُه، ثم رغِم أنفُه». قيل: من يا رسولَ الله؟ قال: «من أدرك أبويه عند الكِبَر، أحدَهما أو كليهما، فلم يدخلِ الجنةَ» [رواه مسلم (2551)]. فالوالدان في كِبَرهما فرصةٌ عظيمةٌ لا تُعوَّض، من ضيّعها فقد خسر بابًا من أبواب الجنة كان مفتوحًا له في بيته.
صور البرّ
أيها المسلمون، البرُّ ليس شيئًا واحدًا، بل هو أبوابٌ واسعة:
- الكلمةُ الطيبة والوجهُ البشوش، فإنَّ الله نهى حتى عن كلمة «أفٍّ».
- الطاعةُ في المعروف والمبادرةُ إلى خدمتهما قبل أن يطلبا.
- الإنفاقُ عليهما وإدخالُ السرور على قلبيهما؛ قال ﷺ: «أنتَ ومالُك لأبيك» [رواه ابن ماجه (2291)].
- الدعاءُ لهما في كل صلاة: ﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24].
- وبعد موتهما: الاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عهدهما، وصلةُ الرحم التي لا تُوصل إلا بهما، وإكرامُ صديقهما؛ قال النبيُّ ﷺ: «إنَّ أبرَّ البرِّ صلةُ الولدِ أهلَ وُدِّ أبيه» [رواه مسلم (2552)].
التحذير من العقوق
واحذروا، عبادَ الله، العقوقَ؛ فقد عدَّه النبيُّ ﷺ من أكبر الكبائر، قال ﷺ: «ألا أنبّئُكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثًا، قالوا: بلى يا رسولَ الله. قال: «الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين» [متفق عليه: البخاري (2654) ومسلم (87)]. والعقوقُ يبدأ بنظرةٍ حادّة، وكلمةٍ جافّة، وتأخيرٍ في الاستجابة، ثم يكبر حتى يهجر الإنسانُ أبويه وهما أحوجُ ما يكونان إليه.
أقول ما تسمعون، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله وحدَه، والصلاةُ والسلامُ على من لا نبيَّ بعده.
أما بعد، عبادَ الله: إنَّ من أعظم ما يُعينك على برّ والديك أن تتذكّر أنك ستكون يومًا مكانهما؛ فكما تدين تُدان. وقد قال بعضُ السلف: برُّوا آباءَكم تبرَّكم أبناؤكم.
فمن كان والداه حيَّين فليغتنم، وليجعلْ لهما من وقته نصيبًا، ومن ماله نصيبًا، ومن دعائه نصيبًا. ومن مات والداه فليُكثرْ من الدعاء لهما، والصدقةِ عنهما، وصلةِ أرحامهما، وليعلمْ أنَّ الولدَ الصالحَ عملٌ لا ينقطع؛ قال ﷺ: «إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له» [رواه مسلم (1631)].
اللهمَّ صلِّ وسلِّم على نبيّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهمَّ اغفرْ لآبائنا وأمّهاتنا، وارحمهم كما ربَّونا صغارًا، اللهمَّ من كان منهم حيًّا فأطلْ عمرَه في طاعتك، ومن كان ميتًا فاجعل قبرَه روضةً من رياض الجنة. اللهمَّ ارزقنا برَّهم أحياءً وأمواتًا، ولا تجعلنا من العاقّين. اللهمَّ أصلحْ ذرّياتنا، وأقرَّ أعينَنا بهم، واجعلهم قرّةَ عينٍ لنا.
عبادَ الله، اذكروا اللهَ يذكرْكم، واشكروه على نعمه يزدْكم، وأقيموا الصلاة.