الخطبة الأولى
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ.
عباد الله، نِعَمُ الله علينا لا تُعدّ ولا تُحصى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]. نعمة الإسلام، ونعمة الصحة، ونعمة الأمن، ونعمة الأهل والولد والرزق. وكل نعمة من هذه النعم إما أن تُحفَظ بالشكر، وإما أن تزول بالكفران والغفلة.
اسمعوا وعد الله الصادق، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]
فالشكر مفتاح الزيادة، وسبب بقاء النعم وبركتها. والشكر — عباد الله — ليس كلمة تُقال باللسان فحسب، بل هو ثلاث: اعتراف بالقلب أن النعمة من الله وحده، وثناء باللسان حمدًا لله عليها، وعمل بالجوارح باستعمال النعمة في طاعة الله لا في معصيته. فمن أُعطي مالًا فشكره أن ينفق منه في الخير، ومن أُعطي علمًا فشكره أن يعلّمه، ومن أُعطي صحة فشكره أن يستعين بها على العبادة.
انظروا إلى نبيكم ﷺ، أكمل الناس شكرًا: قام الليل حتى تورّمت قدماه، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» [رواه البخاري ومسلم والنسائي]. فإذا كان المغفور له ﷺ يقوم حتى تتورم قدماه شكرًا، فما عذرنا نحن المقصّرين؟
وحذّرنا ﷺ من تضييع النعم بالغفلة، فقال: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» [رواه البخاري وابن ماجه]. كم من صحيح لا يستعمل صحته إلا في اللهو، وكم من فارغ يضيع عمره فيما لا ينفع، حتى إذا ذهبت الصحة وجاء المشيب ندم، ولات حين ندم.
فاتقوا الله عباد الله، واشكروه على نعمه يزدكم، واحذروا أن تقابلوا إحسانه بالجحود والإعراض.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من أعظم ما يعين على الشكر الدعاء. أخذ النبي ﷺ بيد معاذ رضي الله عنه وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك... لا تدعنّ في دبر كل صلاة تقول: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» [رواه أبو داود والنسائي]. وكان من دعائه ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا» [رواه أبو داود].
فردّدوا هذا الدعاء بعد صلواتكم، وعلّموه أبناءكم، تكن قلوبكم حية شاكرة، وحياتكم مباركة زائدة.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، وعند البلاء صابرين. اللهم أدم علينا نعمك، وارفع عنا وعن المسلمين البلاء والغلاء والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، وارحم موتانا وموتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين.
إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
وأقِمِ الصلاة.