الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسِنا ومن سيئات أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾
أما بعد، عبادَ الله:
ما من وصيةٍ تكرّرت في كتاب الله كما تكرّرت وصيةُ التقوى؛ أوصى اللهُ بها الأوّلين والآخرين، فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]. وكان النبيُّ ﷺ يُوصي بها أصحابَه إذا ودّعهم، فقال لمعاذٍ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: «اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ» [رواه الترمذي (1987) وحسّنه].
ما هي التقوى؟
سُئل طلقُ بن حبيب رحمه الله عن التقوى فقال: «التقوى أن تعملَ بطاعة الله، على نورٍ من الله، ترجو ثوابَ الله، وأن تتركَ معصيةَ الله، على نورٍ من الله، تخافُ عقابَ الله». فالتقوى ليست كلمةً تُقال، ولا هيئةً تُرى، وإنما هي شيءٌ يستقرُّ في القلب فيظهرُ أثرُه على الجوارح. أشار النبيُّ ﷺ إلى صدره ثلاثًا وقال: «التقوى هاهنا» [رواه مسلم (2564)].
وسأل عمرُ بن الخطاب أُبيَّ بن كعبٍ رضي الله عنهما عن التقوى، فقال أُبيٌّ: أما سلكتَ طريقًا ذا شوكٍ؟ قال: بلى. قال: فما صنعتَ؟ قال: شمّرتُ واجتهدتُ. قال: فذلك التقوى. فالمتقي يمشي في هذه الدنيا حذِرًا من الشُّبُهات والشهوات كما يحذر السائرُ من الشوك.
ثمرات التقوى
عبادَ الله، إنَّ للتقوى ثمراتٍ عاجلةً وآجلةً، منها:
- المخرجُ من كل ضيق والرزقُ من حيث لا يُحتسب: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].
- تيسيرُ الأمور: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4].
- الفرقانُ الذي يُميّز به الحقَّ من الباطل: ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29].
- معيّةُ الله ومحبّتُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ [النحل: 128]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 76].
- قبولُ العمل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27].
- والعاقبةُ الحسنى في الآخرة: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ: 31].
كيف نتزوّد بالتقوى؟
أيها المؤمنون، التقوى تُكتسَب وتنمو، ومن أعظم أسبابها:
- مراقبةُ الله في السرّ والعلن، وأن تعلمَ أن الله يراك حيث نهاك.
- المحافظةُ على الصلوات في أوقاتها؛ فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
- تلاوةُ القرآن بتدبّر؛ فهو ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2].
- صحبةُ الصالحين، فالمرء على دين خليله.
- محاسبةُ النفس كل يوم، كما قال عمر رضي الله عنه: حاسبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا.
أقول قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، عبادَ الله:
اعلموا أنَّ خيرَ الزاد التقوى، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: 197]. وأنَّ الكرامةَ عند الله ليست بالنسب ولا بالمال ولا بالجاه، وإنما هي بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
فلنجعلْ من هذه الجمعة بدايةً جديدة: نُصلح ما بيننا وبين الله، ونبدأ بترك ذنبٍ نعلمه من أنفسنا، ونُقبل على طاعةٍ كنّا نتهاون فيها. ولنُكثر من الدعاء الذي كان النبيُّ ﷺ يدعو به: «اللهمَّ إني أسألُكَ الهدى والتُّقى والعفافَ والغِنى» [رواه مسلم (2721)].
ثم اعلموا أنَّ اللهَ أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهمَّ صلِّ وسلِّم على نبيّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، وارفعْ رايةَ الدين، واجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا وسائرَ بلاد المسلمين. اللهمَّ ارزقنا تقواك، واجعلنا ممّن يستمعون القولَ فيتّبعون أحسنَه. اللهمَّ اغفرْ للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياءِ منهم والأموات. ربَّنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذابَ النار.
عبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكرْكم، واشكروه على نعمه يزدْكم، ولذكرُ الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.