الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسِنا ومن سيئات أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا﴾
أما بعد: فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالة.
عبادَ الله: إنَّ في يوم المسلم وليلته خمسَ محطّاتٍ يقف فيها بين يدي ربّه، يغسل فيها قلبَه من غبار الدنيا، ويجدّد فيها عهدَه مع الله. هذه المحطّاتُ هي الصلواتُ الخمس؛ قال النبيُّ ﷺ: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلاَمُ وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ» [رواه الترمذي (2616) وقال: حسن صحيح]، وكانت عامّةُ وصيّته ﷺ حين حضرته الوفاة: «الصَّلاَةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» [رواه ابن ماجه (2697) وصحّحه الألباني]. وقد أمرنا اللهُ بالمحافظة عليها فقال: ﴿حَٰفِظُوا۟ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُوا۟ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، وجعل لها مواقيتَ لا تُؤخَّر عنها: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰبًۭا مَّوْقُوتًۭا﴾ [النساء: 103].
الصلاةُ أوّلُ ما يُحاسَب عليه العبد
قال النبيُّ ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاَتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» [رواه الترمذي (413) وصحّحه الألباني]. وجاء في تمام الحديث أنه إن انتقص من فريضته شيءٌ نُظر في تطوّعه فأُكمل به، ثم يكون سائرُ عمله على ذلك؛ فالصلاةُ أوّلُ ميزانٍ تُوزن به الأعمال.
وجعل اللهُ المحافظةَ عليها من صفات المؤمنين الوارثين للفردوس، فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [المؤمنون: 9-11]. وسُئل النبيُّ ﷺ: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ فقال: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا» [متفق عليه: البخاري (527) ومسلم (85)].
الصلاةُ طهارةٌ وكفّارة
أيها المؤمنون: الصلاةُ رحمةٌ من الله بعباده، يمحو بها خطاياهم يومًا بعد يوم. قال ﷺ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ». قالوا: لا يُبقي من درنه شيئًا. قال: «فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهَا الْخَطَايَا» [رواه البخاري (528)].
وقال ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» [رواه مسلم (233)]. وهي كذلك حصنٌ يحمي صاحبَها من المعاصي: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45].
وهي راحةُ القلوب لا عبءٌ عليها؛ كان النبيُّ ﷺ يقول: «يَا بِلاَلُ أَقِمِ الصَّلاَةَ أَرِحْنَا بِهَا» [رواه أبو داود (4985) وصحّحه الألباني]، وقال: «وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ» [رواه النسائي (3939)، وقال الألباني: حسن صحيح]. فمن وجد الصلاةَ ثقيلةً فليفتّش في قلبه، لا في الصلاة.
فضلُ صلاة الجماعة
عبادَ الله: وأكملُ المحافظة أن يُصلّيَ الرجلُ الصلواتِ حيث يُنادى بهنّ؛ قال ﷺ: «صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» [رواه البخاري (645)]. وقال ﷺ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» [رواه مسلم (656)].
وقال عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاَءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ»، وقال: «وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ» [رواه مسلم (654)].
خطرُ التهاون بالصلاة
واحذروا، عبادَ الله، من التهاون بالصلاة وتأخيرها عن وقتها؛ قال ﷺ: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاَةِ» [رواه مسلم (82)]. وتوعّد اللهُ من أضاعها فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَٰتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. وقد ذكر المفسّرون أنَّ إضاعتَها تكون بتركها، وتكون بتأخيرها عن وقتها، وبالتفريط في أركانها وخشوعها.
أقول قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله الذي جعل الصلاةَ نورًا، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
أما بعد، عبادَ الله: فهذه وسائلُ عمليّةٌ تُعين على المحافظة على الصلاة:
- أن تبني يومَك حول الصلاة لا أن تبني الصلاةَ حول يومك؛ فاجعل مواعيدَك وأعمالَك تابعةً لأوقات الصلاة.
- أن تتهيّأ لها قبل وقتها؛ بالوضوء والتبكير إلى المسجد، فقد قال ﷺ: «أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ». قالوا: بلى يا رسولَ الله. قال: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» [رواه مسلم (251)].
- أن تستعين على صلاة الفجر بالنوم المبكّر، وبمنبّهٍ، وبأخٍ صالحٍ يوقظك وتوقظه.
- أن تُعلّمها أولادَك وتصبر عليهم: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132]، وقال ﷺ: «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ» [رواه أبو داود (495)، وقال الألباني: حسن صحيح]. فكن لهم قدوةً قبل أن تكون لهم آمرًا.
- أن تُصلّيَ صلاةَ مودِّع، بخشوعٍ وطمأنينة، فـ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2].
ثم صلّوا وسلّموا على البشير النذير، فقد قال ربُّكم: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» [رواه البخاري (3370)].
﴿رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ﴾ [إبراهيم: 40]. «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» [رواه أبو داود (1522) وصحّحه الألباني]. اللهمَّ اجعلْ الصلاةَ قرّةَ أعيننا، وراحةَ قلوبنا، واجعلنا من الذين هم على صلاتهم يحافظون. اللهمَّ اهدِ شبابَنا وأبناءَنا وبناتِنا، وحبّبْ إليهم الصلاةَ والمساجد. اللهمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلمات، الأحياءِ منهم والأموات.
عبادَ الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكرْكم، واشكروه على نعمه يزدْكم، ولذكرُ الله أكبر، واللهُ يعلم ما تصنعون.