الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسِنا ومن سيئات أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾
أما بعد: فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالة.
عبادَ الله: إنَّ لكلِّ عملٍ صورةً وروحًا؛ فصورتُه ما يراه الناسُ من قيامٍ وركوعٍ وصدقةٍ وتلاوة، وروحُه ما لا يراه إلا اللهُ من نيّةِ القلب وقصدِه. وكما أنَّ الجسدَ بلا روحٍ جثةٌ هامدة، فإنَّ العملَ بلا إخلاصٍ صورةٌ فارغةٌ لا تنفع صاحبَها يومَ يلقى ربَّه. وحديثُنا اليوم عن هذه الروح: عن الإخلاص.
الإخلاص أساسُ الدين
الإخلاصُ أن تقصدَ بعملك وجهَ الله وحدَه، لا تريد به مدحَ الناس ولا ثناءَهم ولا منزلةً في قلوبهم. وهو الأمرُ الذي بُعثت به الرسلُ جميعًا، قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. وقال لنبيّه ﷺ: ﴿فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ﴾ [الزمر: 2-3].
بل جعل اللهُ الحياةَ كلَّها مجالًا للإخلاص، فقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163]. فليس الإخلاصُ خاصًّا بالصلاة والصيام، بل يدخل في البيع والشراء، وفي طلب العلم، وفي العمل والوظيفة، وفي معاملة الأهل والجيران.
وقد جعل اللهُ للعمل المقبول شرطين لا ينفكّان، فقال: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾ [الكهف: 110]؛ فالعملُ الصالحُ ما وافق سنّةَ النبيّ ﷺ، وعدمُ الإشراك أن يكون خالصًا لله. وتأمّلوا قولَه سبحانه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا﴾ [الملك: 2]، ولم يقل: أكثرُ عملًا؛ فالعبرةُ بحُسن العمل وصدقِه، لا بكثرته وحدَها.
النيّةُ تصنعُ الفرق
عبادَ الله: قال النبيُّ ﷺ في الحديث الذي جعله العلماءُ أصلًا من أصول الدين: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [رواه البخاري (1)]. فعملان متشابهان في الظاهر، يقف صاحباهما في صفٍّ واحد، وبينهما في الميزان كما بين السماء والأرض، والفارقُ نيّةُ القلب.
والنيّةُ الصالحةُ تحوّل العاداتِ إلى عبادات؛ قال ﷺ لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ» [رواه البخاري (56)]. فاللقمةُ تضعها في فم زوجتك، والنفقةُ على أولادك، والساعاتُ في عملك تكسب الحلال، كلُّها تصير قُرباتٍ إذا ابتغيتَ بها وجهَ الله.
والنيّةُ الصادقةُ تبلغ بصاحبها ما لم يبلغه عملُه؛ قال ﷺ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» [رواه مسلم (1909)]. وقال ﷺ: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» [رواه البخاري (2996)]. فيا لها من تجارةٍ رابحة: يحبسك المرضُ عن قيام الليل، وأجرُه جارٍ عليك كما كنتَ تعمل وأنت صحيح.
خطرُ الرياء
أيها المسلمون: وإذا كان الإخلاصُ روحَ العمل، فإنَّ الرياءَ داؤه القاتل. والرياءُ أن تعمل العملَ ليراك الناسُ فيمدحوك. وقد ذمّ اللهُ المنافقين بقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا﴾ [النساء: 142].
وفي الحديث القدسيّ يقول اللهُ تبارك وتعالى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [رواه مسلم (2985)]. فمن أراد بعمله اللهَ والناسَ معًا، ردَّ اللهُ عليه عملَه كلَّه.
وكان النبيُّ ﷺ يخاف على أصحابه هذا الداءَ أكثر مما يخاف عليهم فتنةَ الدجال، فقال: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ». قالوا: بلى. قال: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلاَتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» [رواه ابن ماجه (4204) وحسّنه الألباني].
وأخبر ﷺ أنَّ أولَ الناس يُقضى عليه يومَ القيامة ثلاثة: رجلٌ قاتل ليُقال جريء، ورجلٌ تعلّم العلمَ وقرأ القرآنَ ليُقال عالمٌ وقارئ، ورجلٌ أنفق مالَه ليُقال جواد؛ فيُقال لكلٍّ منهم: «فَقَدْ قِيلَ»، ثم يُسحب على وجهه حتى يُلقى في النار [رواه مسلم (1905)]. أعمالٌ عظيمةٌ في ظاهرها: جهادٌ وعلمٌ وصدقة، أفسدتها نيّةٌ فاسدة، فأخذ أصحابُها أجرَهم في الدنيا ثناءً من الناس، ولم يبقَ لهم عند الله شيء.
أقول قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله الذي يعلم السرَّ وأخفى، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
أما بعد، عبادَ الله: فإنَّ للمخلصين علاماتٍ يُعرفون بها، منها:
- أنهم يُخفون من أعمالهم ما يمكن إخفاؤه؛ فقد ذكر النبيُّ ﷺ من السبعة الذين يُظلّهم اللهُ في ظلّه: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» [رواه البخاري (660)].
- أنهم لا ينتظرون من الناس جزاءً ولا شكرًا، ولسانُ حالهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءًۭ وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9].
- أنَّ همَّهم صلاحُ قلوبهم قبل ظواهرهم؛ لأنهم يعلمون قولَه ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» [رواه مسلم (2564)].
- أنهم يعملون في الخلوة كما يعملون أمام الناس، ولا يزيدهم مدحُ المادحين نشاطًا، ولا يُقعدهم ذمُّ الذامّين عن الخير.
ومما يُعين على الإخلاص: أن تتذكّر أنَّ الناس لا يملكون لك نفعًا ولا ضرًّا، وأن تجعل لنفسك خبيئةً من عملٍ صالحٍ لا يعلمها إلا الله، وأن تُجدّد نيّتك قبل كل عمل وفي أثنائه، وأن تُلحَّ على الله بالدعاء أن يُطهّر قلبك؛ فإنَّ القلوبَ بين يديه.
ثم اعلموا أنَّ اللهَ أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» [رواه البخاري (3370)].
«اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا» [رواه مسلم (2722)]. اللهمَّ اجعلْ أعمالَنا كلَّها صالحة، واجعلها لوجهك خالصة، ولا تجعلْ لأحدٍ فيها شيئًا. اللهمَّ طهّرْ قلوبَنا من الرياء والسُّمعة والعُجب. اللهمَّ اغفرْ للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياءِ منهم والأموات. ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةًۭ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201].
عبادَ الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكرْكم، واشكروه على نعمه يزدْكم، ولذكرُ الله أكبر، واللهُ يعلم ما تصنعون.