الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسِنا ومن سيئات أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
أما بعد: فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالة.
عبادَ الله: تمضي الأيامُ مسرعة، وكأنَّ رمضانَ الماضي ودّعنا بالأمس، وها نحن نستقبل شهرَ رجب الحرام، ويليه شعبان، ثم يُقبل علينا رمضانُ إن بلّغنا اللهُ إيّاه. والعاقلُ لا ينتظر حتى يدخل الموسمُ ليبدأ الاستعداد، بل يتهيّأ له قبل قدومه، كما يتهيّأ الزارعُ لأرضه قبل المطر.
رجبٌ من الأشهر الحرم
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًۭا فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۭ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36]. وبيّن النبيُّ ﷺ هذه الأشهرَ فقال: «السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا، أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ، ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» [رواه البخاري (4662)].
وقوله سبحانه: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36] تنبيهٌ على أنَّ الذنبَ فيها أعظمُ إثمًا، كما أنَّ الطاعةَ فيها أعظمُ أجرًا. فاجعلوا هذا الشهرَ بدايةً لترك المعاصي، وتجديد التوبة، وإصلاح ما بينكم وبين الله وما بينكم وبين الناس.
ولم يثبت في تخصيص رجب بصلاةٍ معيّنة أو صيامٍ مخصوص حديثٌ صحيحٌ يُعتمد عليه، كما نبّه على ذلك أهلُ العلم؛ فمن أراد الخيرَ فليجتهد فيه بما شرعه اللهُ في كل الشهور: من صيام الاثنين والخميس، وأيام البيض، وقيام الليل، والصدقة، وتلاوة القرآن.
شعبانُ شهرٌ يغفل عنه الناس
أيها المسلمون: وأمّا شعبان فقد كان للنبيّ ﷺ فيه هديٌ خاص؛ قالت عائشةُ رضي الله عنها: «فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ» [رواه البخاري (1969)]. وفي روايةٍ عنها: «كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلاَّ قَلِيلاً» [رواه مسلم (1156)].
وسأله أسامةُ بن زيد رضي الله عنهما عن سرّ ذلك فقال: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [رواه النسائي (2357) وحسّنه الألباني]. فشعبانُ كالتمرين قبل رمضان؛ يعتاد فيه المسلمُ الصيامَ والقيامَ والتلاوة، فيدخل رمضانَ وقد لانت نفسُه للطاعة.
ومن كان عليه قضاءٌ من رمضان الماضي فليبادر به قبل أن يدخل رمضانُ الجديد؛ قالت عائشةُ رضي الله عنها: «كَانَ يَكُونُ عَلَىَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلاَّ فِي شَعْبَانَ» [رواه البخاري (1950)]. وليُذكّرِ الرجلُ أهلَه بذلك، فإنَّ كثيرًا من الأخوات يؤخّرن القضاء حتى يضيق الوقت.
رمضانُ موسمُ المغفرة
عبادَ الله: إنما نستعدّ هذا الاستعداد لأننا نستقبل شهرًا عظيمًا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]. قال ﷺ: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» [رواه البخاري (1899)]. وقال ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري (38)]، وقال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري (37)].
والصيامُ عبادةٌ اختصّها اللهُ لنفسه؛ قال ﷺ: «قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ» [رواه البخاري (1904)]. فهل يليق بمن يعرف قدرَ هذا الشهر أن يدخله غافلًا، كما يدخل أيَّ شهرٍ آخر؟ وكم ممن صام معنا العامَ الماضي هو اليومَ تحت التراب، يتمنّى لو أُعطي يومًا واحدًا يصومه!
أقول قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله الذي جعل لعباده مواسمَ للخيرات، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
أما بعد، عبادَ الله: فهذه خطواتٌ عمليّةٌ للاستعداد لرمضان، ابدؤوا بها من اليوم:
- التوبةُ الصادقة؛ فالقلبُ المثقلُ بالذنوب لا يجد لذّةَ الطاعة.
- وِردٌ يوميٌّ من القرآن ولو صفحاتٍ قليلة، تزيد فيه شيئًا فشيئًا؛ فقد كان جبريلُ عليه السلام يلقى النبيَّ ﷺ في كل ليلةٍ من رمضان فيدارسه القرآن [رواه البخاري (6)].
- التدرّبُ على الصيام في شعبان، وعلى صيام اللسان والجوارح قبل البطن؛ قال ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [رواه البخاري (1903)].
- قليلٌ دائمٌ خيرٌ من كثيرٍ منقطع؛ قال ﷺ: «وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللَّهِ، وَإِنْ قَلَّ» [رواه البخاري (6464)].
- التخطيطُ للوقت؛ بتخفيف الشواغل والسهرات واللهو، ليتفرّغ القلبُ للعبادة في الشهر الكريم.
- الصدقةُ وتفقّدُ المحتاجين؛ قال ابنُ عباس رضي الله عنهما: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» [رواه البخاري (6)].
واعلموا أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لاَ يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ» [رواه البخاري (1914)]؛ فالاستعدادُ يكون بالقلب والعمل الصالح، لا بالزيادة في الدين ما لم يُشرع.
ثم صلّوا وسلّموا على نبيّكم، فقد قال ربُّكم: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» [رواه البخاري (3370)].
اللهمَّ بلّغنا رمضانَ ونحن في صحّةٍ وعافيةٍ وإيمان، وأعنّا فيه على الصيام والقيام وتلاوة القرآن، وتقبّله منّا. «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» [رواه أبو داود (1522) وصحّحه الألباني]. اللهمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلمات، الأحياءِ منهم والأموات، واشفِ مرضانا، وارحمْ موتانا. ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةًۭ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201].
عبادَ الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكرْكم، واشكروه على نعمه يزدْكم، ولذكرُ الله أكبر، واللهُ يعلم ما تصنعون.